محمد بن شاكر الكتبي

126

فوات الوفيات والذيل عليها

وكان فصيح العبارة ، قادرا « 1 » على الحفظ ، طويل الروح مسالما محسنا إلى من أساء إليه . بلغه أن الشيخ صدر الدين نظم فيه بليقة « 2 » ، فتحيّل إلى أن وقعت بخطه في يده وسير خلف الشيخ صدر الدين ، ووضع الورقة مفتوحة على مصلّاه ، فلما دخل الشيخ صدر الدين رأى الورقة وعرفها ، وقاضي القضاة مشتغل عنه ، فلما تحقق أن صدر الدين قد رأى الورقة وعرفها قال للطواشي : أحضر للشيخ ما عندك ، فأحضر له بقجة قماش وصرّة فيها ستمائة درهم ، وقال : هذه جائزة تلك البليقة . وكان يوما قد توجه إلى صلاة الصبح بالجامع ، فلما كان ببعض الطريق ضربه إنسان بمطرق رماه إلى الأرض ، وظنّ أنه قد مات ، فلما أفاق حضر إلى بيته وكان يقول : أعرفه وما أذكره لأحد . وكان ينطوي على دين وتعبّد ، وله أموال وخدم ، وهو من بيت حشمة . وقيل إنه قال يوما للشيخ صدر الدين : فرّق ما بيننا أنني أشتغل على الشمع الكافوري ، وأنتم على قناديل المدارس . ودرس بالعادلية الصغرى والأمينية ثمّ بالغزالية ، مع قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ ، ثم ولي قضاء القضاة سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن مات رحمه اللّه . وأذن لجماعة في الفتوى ، وقيل إنه لم يقدر أحد يدلّس عليه قضية ولا يشهد زور « 3 » ، وكان متحرّيا في أحكامه بصيرا بقضاياها ، وما سمع عنه أنه ارتشى « 4 » في حكومة . وتوفي بعد تعلّل أصابه فجأة ببستانه في نصف شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، وكان موته مفتاحا لموت رؤساء دمشق وعلمائها . ورثاه شعراء عصره ، ورثاه المرحوم شهاب الدين محمود ، ولشعراء زمانه فيه مدائح كثيرة .

--> ( 1 ) ص : قادر . ( 2 ) نوع من الشعر العامي ، انتشر بمصر ، وكثيرا ما يعتمد على الافحاش في القول . ( 3 ) كذا في ص . ( 4 ) ص : ارشتى .